الغزالي
62
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
حكاية : يقال إن عمر بن عبد العزيز كان ينظر ليلا في قصص الرعية وروزنامجاتهم في ضوء السراج ، فجاء غلام له فحدّثه في سبب كان يتعلّق ببيته ، فقال له عمر : أطفئ السراج وحدثني ، فإن هذا الدهن من بيت مال المسلمين ، فلا يجوز استعماله إلّا في أشغال المسلمين . كذا يكون حذر السلطان وتوقيه إذا كان عادلا كما جاء في الحكاية . حكاية : كان لعمر بن عبد العزيز غلام وكان خازنا لبيت المال ، وكان لعمر بنات فجئنه يوم عرفة وقلن له : غدا العيد ، ونساء الرعية وبناتهم يلمننا ويقلن : أنتنّ بنات أمير المؤمنين ونراكنّ عريانات ، لا أقلّ من ثياب بيضاء تلبسنّها . وبكين عنده ، فضاق صدر عمر ، فدعا غلامه الخازن وقال له : أعطني مشاهرتي لشهر واحد ؛ فقال الخازن : يا أمير المؤمنين تأخذ المشاهرة من بيت المال سلفا ؟ أتظن أن لك عمر شهر فتأخذ مشاهرة شهر ؟ فتحيّر عمر وقال : نعم ما قلت أيها الغلام ، بارك اللّه فيك ! ثم التفت إلى بناته وقال : اكظمن شهواتكن ، فإن الجنّة لا يدخلها أحد إلّا بمشقّة . حكمة : لما كان الأمراء كذلك كان حواشيهم وخدمهم على قاعدتهم ، والعدل التام هو أن تساوي بين المجهول الذي لا يعرف وبين المحتشم صاحب الجاه المعروف في مقام واحد في الدعاوى ، وتنظر أيضا بعين واحدة ، ولا تفضل أحدهما على الآخر لأجل أن أحدهما فقير والآخر غني ، فإن الجوهر والخزف في الآخرة بسعر واحد ، ولا يحرق عاقل نفسه بالنار ، لحشمة الأغيار . وإذا كان لرجل ضعيف على سلطان من السلاطين دعوى ، فينبغي أن يقوم من صدر مملكته ويعمل بحكم اللّه تعالى ، وينصف ذلك العبد الضعيف ، ويرضيه ولا يحيف عليه ، ولا يستحي من الحق ، ويعمل بقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [ النحل : 90 ] وحقيقة ذلك إن كان للملك على آخر حق ، أن يسامحه ويمنّ به عليه ، ويأمر عمّاله الثقات أن يقتدوا بمثاله ويعملوا بسيرته ، لئلا يسأل عنه يوم القيامة ؛ فقد جاء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « كل راع يسأل عن غنمه ، وكل إنسان يسأل عن رعيته » « 1 » . والحال على هذه الصفة والمآل .
--> ( 1 ) في صحيح البخاري [ جزء 2 - صفحة 848 ] رقم 2278 - ونصه : ( كلكم راع ومسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته ) . ورواه مسلم في صحيحه [ جزء 3 - صفحة 1459 ] رقم ( 1829 ) .